القرطبي

52

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

فعرجت فمسخت كوكبا . وقال سالم عن أبيه عن عبد الله : فحدثني كعب الحبر أنهما لم يستكملا يومهما حتى عملا بما حرم الله عليهما . وفي غير هذا الحديث : فخيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة فاختارا عذاب الدنيا ، فهما يعذبان ببابل في سرب من الأرض . قيل : بابل العراق . وقيل : بابل نهاوند ، وكان ابن عمر فيما يروي عن عطاء أنه كان إذا رأى الزهرة وسهيلا سبهما وشتمهما ، ويقول : إن سهيلا كان عشارا ( 1 ) باليمن يظلم الناس ، وإن الزهرة كانت صاحبة هاروت وماروت . قلنا : هذا كله ضعيف وبعيد عن ابن عمر وغيره ، لا يصح منه شئ ، فإنه قول تدفعه الأصول في الملائكة الذين هم أمناء الله على وحيه ، وسفراؤه إلى رسله " لا يعصون الله ما أمر هم ويفعلون ما يؤمرون ( 2 ) " . " بل عباد مكرمون . لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ( 3 ) " . " يسبحون الليل والنهار لا يفترون ( 3 ) " . وأما العقل فلا ينكر وقوع المعصية من الملائكة ويوجد منهم خلاف ما كلفوه ، ويخلق فيهم الشهوات ، إذ في قدرة الله تعالى كل موهوم ، ومن هذا خوف الأنبياء والأولياء الفضلاء العلماء ، ولكن وقوع هذا الجائز لا يدرك إلا بالسمع ولم يصح . ومما يدل على عدم صحته أن الله تعالى خلق النجوم وهذه الكواكب حين خلق السماء ، ففي الخبر : ( أن السماء لما خلقت خلق فيها سبعة دوارة زحل والمشتري وبهرام وعطارد والزهرة والشمس والقمر " . وهذا معنى قول الله تعالى : " وكل في فلك يسبحون ( 3 ) " . فثبت بهذا أن الزهرة وسهيلا قد كانا قبل خلق آدم ، ثم إن قول الملائكة : " ما كان ينبغي لنا " عورة ( 4 ) : لا تقدر على فتنتنا ، وهذا كفر نعوذ بالله منه ومن نسبته إلى الملائكة الكرام صلوات الله عليهم أجمعين ، وقد نزهناهم وهم المنزهون عن كل ما ذكره ونقله المفسرون ، سبحان ربك رب العزة عما يصفون . السابعة عشرة - قرأ ابن عباس وابن أبزي والضحاك والحسن : " الملكين " بكسر اللام . قال ابن أبزى : هما داود وسليمان . ف‍ " ما " على هذا القول أيضا نافية ، وضعف هذا القول ابن العربي . وقال الحسن : هما علجان كانا ببابل ملكين ، ف‍ " ما " على هذا القول مفعولة غير نافية .

--> ( 1 ) العشار : الذي يقبض عشر الأموال . ( 2 ) راجع ج 18 ص 196 ( 3 ) راجع ج 11 ص 281 ، 278 . ( 4 ) كذا في أ ، ب ، ج . وفى ح ، ز : " عوده " . وكتب على هامش الأزهرية : " لعله : تقديره " . وقد تكون هذه الكلمة محرفة عن " غوره " وغور كل شئ : عمقه وبعده .